هذا الكتاب

النقد الأدبي. كما تعلمت أن أفهمه. ينبغي أن يكون تجريبيا وعمليا أكثر منه نظريا. فأساتذة النقد الكبار يمارسون فنهم من أجل تجلية كل ما هو مضمر في العمل الأدبي لكي يصير واضحا. وهذا ما كنت أفعله دائما سواء في قراءتي لقصيدة لصلاح عبدالصبور أو في رواية لنجيب محفوظ أو مسرحية لألفريد فرج.
وهو الشيء ذاته الذي فعلته في دراستي لأشعار أمل دنقل. ومن ثم مس كتابي العصب الحساس في أجهزة السلطة فبادروا بمصادرة الكتاب فور خروجه من المطبعة. وصوب الهجوم علي عنوان الكتاب.. "أمل دنقل.. أمير شعراء الرفض" رفض من؟. أو رفض ماذا؟.
كان هذا العنوان خلاصة مركزة لكل ما صورته أشعار أمل دنقل الثورية وجسدته في أذهان الجماهير وشباب الجامعات الذين كانوا يتظاهرون بالآلاف وهم يرددون هذه الأشعار. وكان طبيعيا أن تنزعج أجهزة القمع وتقوم بمصادرة الكتاب ونزع غلافه. ولا تسمح للطبعة الأولي سنة 1988 بالظهور إلا بعد حذف هذا العنوان.
لقد وضعت قصائد الشاعر في موازاة الأحداث وأوضحت ما كانت تضمره وتخفيه.. فانجلي معني الرفض ومغزاه.. فإذا هو رفض لكل ما هو قبيح ودميم.. رفض لفساد السلطة وأساليب القمع ومصادرة الحريات.
هذه الملامح الواضحة التي ميزت النظام السياسي المصري من بداية ثورة يوليو وحكم العسكر حتي الآن. هي التي أدت إلي التدهور في جميع نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية أيضا. هي التي أدت إلي هزيمة 1967. وبددت ثمار نصر أكتوبر وفتحت الباب واسعا أمام المنافقين والانتهازيين والمهربين وسماسرة الانفتاح فاستولوا علي ثروة الوطن. وتركوا أغلبية الشعب تعاني الفقر والأمراض.
والمؤسف أن النظام السياسي المصري قد فشل حتي الآن وعجز عن التطور والسير في طريق بناء الدولة الحديثة. وإقامة مؤسسات المجتمع المدني من أجل تحقيق العدل والمساواة بين المواطنين.. وبدلا من ذلك دخل في تحالف غريب مع جماعات الإسلام السياسي ودعاة الدولة الدينية.. وكانت المفارقة أن هذه الجماعات التي أطلقها السادات لمحاربة خصومه من الناصريين واليساريين والأقباط.. هم الذين قتلوه في يوم احتفاله بنصر أكتوبر.
ورغم هذا فإن خلفاء السادات لم يتخلوا عن نهجه وساروا في الطريق نفسه بالتركيز علي ضرب الأحزاب السياسية وإضعافها وفتح المجال واسعا أمام التيار الديني للسيطرة علي الجامعات ومؤسسات الدولة وعقد الصفقات مع قياداته من الإخوان المسلمين . مما أدي إلي فضائح الانتخابات البرلمانية الأخيرة. حيث حصل الإخوان علي ربع مقاعد المجلس وفشلت الأحزاب السياسية الأخري بسبب التزوير والبلطجة وشراء الأصوات.
والحقيقة أن هذا كان أمرا متوقعا بالنسبة لكثير من العقلاء والمثقفين الأصلاء.. تنبأت به أعمال أدبية وسينمائية كثيرة.. ربما تذكر فيلم "القاهرة 30" ونهايته الفاجعة حيث نسمع محجوب عبدالدايم وهو يطمئن إحسان شحاتة أو سعاد حسني.. بأن شيئا لن يتغير.. وأن الأوسخ هو الذي يكسب.